محمود بن حمزة الكرماني
52
اسرار التكرار في القرآن
الاختلاف عن ذات القرآن . يقال : هذا كلام مختلف ، أي لا يشبه أوله آخره في الفصاحة ، أو هو مختلف الدعوى ، أي بعضه يدعو إلى الدين وبعضه يدعو إلى الدنيا ، أو هو مختلف النظم ، فبعضه على وزن الشعر ، وبعضه منزحف ، وبعضه على أسلوب مخصوص في الجزالة ، وبعضه على أسلوب يخالفه ، وكلام اللّه منزه عن هذه الاختلافات فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوله آخره ، وعلى درجة واحدة في الفصاحة ، فليس يشتمل على الغث والسمين ، ومسوق لمعنى واحد ، وهو دعوة الخلق إلى اللّه ، وصرفهم عن الدنيا إلى الدين . وكلام الناس تتطرق إليه هذه الاختلافات ، إذ كلام المترسّلين والشعراء إذا قيس عليه وجد فيه اختلاف في منهاج النظم ، ثم اختلاف في درجات الفصاحة ، بل في أصل الفصاحة ، فلا تتساوى رسالتان ولا قصيدتان ، بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة ، وأبيات سخيفة ، وكذلك تشتمل القصائد والأشعار على أغراض مختلفة ، لأن الشعراء والفصحاء في كل واد يهيمون ، فتارة يمدحون الدنيا ، وتارة يذمونها ، وتارة يمدحون الجبن ويسمونه حزما ، وتارة يذمونه ويسمونه تهورا ، ولا ينفك آدمي عن هذه الاختلافات ، لأن منشأها اختلاف الأغراض ، والأحوال ، والإنسان . وكذلك تختلف أغراضه ، فيميل إلى الشيء ، تارة ، ويميل عنه أخرى ، فيوجب ذلك اختلافا في كلامه بالضرورة ، فلا يصادف إنسان يتكلم في ثلاث وعشرين سنة وهي مدة نزول القرآن ، فيتكلم على غرض واحد . ومنهاج واحد ، ولقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم بشرا تختلف أحواله ، فلو كان هذا كلامه ، أو كلام غيره من البشر ، لوجدوا فيه اختلافا كثيرا » . وهذا المعنى فطن إليه صاحب ( منهاج البلغاء ) حين قال : « وجه الإعجاز : استمرار الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه ،